الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
251
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
بمحل متعين ضرورة عدم إمكان قيام الصفة المتعينة بالموصوف المبهم ولا إلى الثالث وإلا لكان المجموع واجبا واحدا فتعين الرابع وهو المدعى وإنما يسقط الوجوب بفعل البعض لقيام الإجماع على عدم بقاء التكليف مع الإتيان بالبعض ويدفعه أنا نقول بقيام الوجوب بكل منها لكن لا على سبيل التعيين بل على التخيير حسبما قررنا فإن أراد به ذلك فحق ولا يثبت به ما ادعاه وإن أراد به الوجه الأول فلا ينهض ذلك بإثباته وإن شئت قلت إنه لا مانع من تعلق الوجوب بأحد الشيئين أو الأشياء فإنه أيضا معنى متعين بحسب الواقع يصح تعلق الوجوب به ألا ترى أنه يصح أن يوجب المولى على عبده أحد الشيئين فيتحقق امتثاله بأيّ منها وقد عرفت أن هذا المعنى يتصور على وجهين أحدهما أن يكون المطلوب نفس مفهوم أحدهما دون خصوصية كل من الأمرين وإنما يتعلق الطلب بكل منهما من حيث اتحاده للمفهوم المذكور لكن قد عرفت أن ذلك غير حاصل في المقام إذ لا مطلوبية المفهوم المذكور أصلا وإنما المطلوب خصوص كل من الفعلين والأفعال ثانيهما أن يكون مرآتا لملاحظة كل من الأمرين على وجه البدلية فيتعلق الوجوب بكل منهما تخييرا وحينئذ فيتعلق الأمر بالمفهوم المفروض إنما هو في مجرد اللحاظ والاعتبار وقيام الوجوب حقيقة بكل من الفعلين أو الأفعال على الوجه الذي قررناه فيرجع ذلك إلى التقرير الأول وهناك وجه ثالث وهو أن يكون أحدهما ملحوظا على جهة الإبهام فلا يتعلق الوجوب بالأمر الكلي الشامل للأمرين الحاصل بحصول أيّ منهما وهذا الوجه هو الذي أبطله المستدل وهو فاسد كما زعمه إلا أنه لا ينحصر الأمر فيه [ دليل القول الرابع . ] واحتج على كون الواجب واحدا معينا في الواقع على ما قيل به في كل من القولين الأخيرين من كون الواجب واحدا معينا بأنه لو فعل الجميع فالمقتضي لسقوط الفرض إما الجميع وإما كل واحد وإما واحد مبهم أو معين لا سبيل إلى الأول وإلا لزم وجوب الجميع ولا الثاني للزوم توارد العلل المستقلة على المعلول الواحد ولا الثالث لعدم جواز استناد الأمر المعين إلى المؤثر المبهم فتعين الرابع وأما سقوط الواجب بالإتيان به وبالآخر فبقيام الإجماع إذن على السقوط ويمكن تقرير مثل ذلك بالنسبة إلى قيام الوجوب حينئذ فيقال لو فعل الجميع فالوجوب حينئذ إما قائم بالمجموع أو بكل منها إلى آخره وكذا بالنسبة إلى استحقاق الثواب بأن يقال إن استحقاق ثواب الواجب إما بفعل الجميع أو بكل منها إلى آخره وبالنسبة إلى استحقاق العقاب حينئذ إما لترك الجميع أو لترك كل منها إلى آخره فهذه وجوه عديدة قد ذكر الاحتجاج بها لذلك إذا تقرر ذلك فيمكن أن يحتج لأول القولين المذكورين بحصول ذمة المكلف إجماعا بكل من الفعلين أو الأفعال فله اختيار أي منهما شاء فيتعين القول بسقوط الواجب بذلك المعين وببدله كما هو المدعى ولثانيهما بأنه لا وجه لأداء الواجب بفعل غيره ومن المعلوم أداء الواجب في المقام بكل من الفعلين فلا بد من التزام اختلاف المكلف به بحسب اختلاف المكلفين وأنت خبير بوهن جميع الوجوه المذكورة إذ لا مانع من كون أحد تلك الأفعال قاضيا بسقوط الواجب إذ هو معنى معيّن بحسب الواقع يصدق على كل منها على سبيل البدلية ويصح تفرع الأحكام عليه ألا ترى أنه لو كان له في ذمة غيره دينار فدفع إليه دينارين على أن يكون أحدهما وفاء لدينه مسقطا لما في ذمته والآخر فرضا عليه مشتغلا لذمته صح ذلك قطعا مع عدم تعيين الخصوصية ومع الغض عنه نقول إنه إما أن يأتي بالجمع تدريجا أو دفعة فعلى الأول إنما يقضي الأول بالبراءة دون غيره مما يأتي به بعده وعلى الثاني فالبراءة حاصلة بكل منهما نظرا إلى تقارنهما ولا مانع من توارد العلل الشرعية فإنها معرفات وفيه تأمل ومما قررنا يظهر الجواب عن الوجوه الأخر فلا حاجة إلى التفصيل فظهر بذلك ضعف كل من القولين المذكورين قوله يعلم أن ما يختاره المكلف هو ذلك المعين يعني أنه إذا أتى المكلف بأحد تلك الأفعال فإنما يأتي بما هو الواجب عليه في علم الله سبحانه فإنما أوجب اللّه عليه خصوص ما علم أنه يختاره من تلك الأفعال فيتميز الواجب عند المكلف أيضا هذا أتى بواحد من تلك الأفعال وأما إذا تركها أجمع أو أتى بالجميع دفعة فلا يتعين عندنا ولو أتى بما يزيد على الواحد انكشفت عدم وجوب الباقي عليه إلا أنه يدور ما هو الواجب عليه في علم الله تعالى بين ما أتى به من تلك الأفعال قوله ولقد أحسن المحقق إلى آخره ما ذكره ظاهر لكن لو فسر مختار الأشاعرة بتعلق الوجوب بمفهوم أحدها الصادق على كل منها كما اختاره بعض الأفاضل في تفسيره فيستفاد من كلام علامة رحمه الله أمكن تفريع ثمرة مهمة عليه بناء على القول بجواز اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد من جهتين فإنه لا مانع حينئذ من تعلق الوجوب بأحدها ولو اختص أحد تلك الأفعال بالتحريم لاختلاف محل الوجوب والحرمة بحسب الحقيقة وإن اجتمعا في شيء واحد بسوء اختيار المكلف حسبما قرروه بالنسبة إلى سائر الكليات فاعتراف الفاضل المذكور بقلة الثمرة بين القولين المذكورين مع جواز اجتماع الأمر والنهي من جهتين ليس على ما ينبغي وينبغي التنبيه في المقام على أمور أحدها أن قضية الوجوب التخييري حسبما قررناه حصول الامتثال بفعل واحد منها فإذا أتى بأحدها أسقط التكليف بالباقي سقوط الواجب بأدائه ولم يشرع له الإتيان بالباقي لا على جهة الوجوب ولا الاستحباب إلا أن يقوم دليل من الخارج على الرجحان ولا ربط له بالمقام وتعلق الأمر بكل من تلك الأفعال لا يقضي بمشروعية الإتيان بها مطلقا لما عرفت من أن قضية تلك الأوامر تحصيل أداء واحد لا أزيد وقد يجيء على قول من يقول بتحقق الامتثال بالتكرار بعد الإتيان بالمرة فيما إذا تعلق الأمر بالطبيعة كما اختاره المصنف رحمه الله مشروعية الفعل هنا أيضا بعد الإتيان بالبعض بناء على القول بتعلق الأمر هنا بمفهوم أحدها الصادق على كل منها وفيه أن هناك فرقا بين المفهوم المذكور وسائر المفاهيم حيث إنه إنما يصدق على كل منها انفرادا على سبيل البدلية كالنكرة من غير أن يصدق عليهما معا بخلاف سائر الطبائع فإن وحدتها النوعية لا تنافي الكثرة الفردية فهي صادقة على الأفراد المتكثرة كصدقها على الفرد الواحد فيمكن القول بحصول الامتثال بأداء الأفراد المتكثرة من حيث حصول الطبيعة في ضمنها بخلاف المفهوم المذكور إذ لا يمكن صدقه على المتعدد فلا يصح فيه تحقق الامتثال بالمتعدد والقول بتحقق الامتثال ثانيا بالإتيان بالآخر مدفوع بأن الأمر الواحد إنما يقتضي امتثالا واحدا وليس المقصود من تحقق الامتثال هناك بالمتعدد تعدد الامتثال أيضا إذ لا وجه له مع اتحاد الأمر وعدم دلالته على التكرار بل المراد